أبي منصور الماتريدي
535
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بقوله : حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ . قيل : صدقتم في زعمكم بأن الحسد ليس من عند الله ، وكذلك نقول ، ولا نجيز إضافة الحسد إليه بحال ولكن نقول : خلق فعل الحسد من الخلق ، وكذلك يقال في الأنجاس ، والأقذار ، والحيّات والعقارب ونحوها : إنه لا يجوز أن تضاف إلى الله تعالى فيقال : يا خالق الأنجاس والحيات والعقارب ، وإن كان ذلك كله خلقه ، وهو خالق كل شئ . فعلى ذلك ، نقول بخلق فعل الحسد ، وفعل الكفر من العبد ، ولا نجوّز أن يضاف إلى الله تعالى . ثم يقولون في الطاعات والخيرات كلها : إنها من عند الله ، غير مخلوقة ، فلئن كانت
--> - والأصل في تحريمه الكتاب والسنة والمعقول : أما الكتاب : فقوله تعالى : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ [ الفلق : 5 ] فقد أمرنا الله - سبحانه وتعالى - بالاستعاذة من شر الحاسد ، وشره كثير ، فمنه ما هو غير مكتسب وهو إصابة العين ، ومنه ما هو مكتسب كسعيه في تعطيل الخير عنه وتنقيصه عند الناس ، وربما دعا عليه أو بطش به إلى غير ذلك . وقد اختلف أهل التأويل في الحاسد الذي ورد الأمر بالاستعاذة من شره : فقال قتادة : المراد : شر عينه ونفسه . وقال آخرون : بل أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بهذه الآية أن يستعيذ من شر اليهود الذين حسدوه ، والأولى بالصواب في ذلك - كما قال الطبري - : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر بأن يستعيذ من شر كل حاسد إذا حسد . وإنما كان ذلك أولى بالصواب ؛ لأن الله - عزّ وجل - لم يخصص من قوله : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ [ الفلق : 5 ] حاسدا دون حاسد ، بل عم أمره إياه بالاستعاذة من شر كل حاسد فذلك على عمومه . والحاسد كما قال القرطبي عدو نعمة الله . قال بعض الحكماء : بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه : أحدها : أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره . ثانيها : أنه ساخط لقسمة ربه كأنه يقول : لم قسمت هذه القسمة ؟ ثالثها : أنه ضاد فعل الله ، أي : أن فضل الله يؤتيه من يشاء ، وهو يبخل بفضل الله . ورابعها : أنه خذل أولياء الله ، أو يريد خذلانهم وزوال النعمة عنهم . وخامسها : أنه أعان عدوه إبليس . وأما السنة فقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إياكم والحسد ؛ فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو العشب » . وأما المعقول فإن الحاسد مذموم ، فقد قيل : إن الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة ، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء ، ولا ينال في الخلوة إلا جزعا وغما ، ولا ينال في الآخرة إلا حزنا واحتراقا ، ولا ينال من الله إلا بعدا ومقتا . ويستثنى من تحريم الحسد ما إذا كانت النعمة التي يتمنى الحاسد زوالها عند كافر أو فاسق يستعين بها على معاصي الله تعالى . أما إذا كان الحسد مجازيّا - أي بمعنى الغبطة - فإنه محمود في الطاعة ، ومذموم في المعصية ، ومباح في الجائزات ، ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار ، ورجل أتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار » أي : كأنه قال : لا غبطة أعظم أو أفضل من الغبطة في هذين الأمرين . ينظر : تفسير الطبري ( 30 / 228 ) ، صحيح مسلم بشرح النووي ( 6 / 97 ) ، فيض القدير ( 3 / 125 ) ، فتح الباري ( 1 / 167 ) .